سيد محمد طنطاوي
166
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبعد أن بين - سبحانه - أن كل شيء في هذا الكون خاضع لقدرته ، أتبع ذلك بالنهى عن الشرك ، وبوجوب إخلاص العبادة له ، فقال - تعالى - . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 51 إلى 55 ] وقالَ اللَّه لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِله واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 51 ) ولَه ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ولَه الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّه تَتَّقُونَ ( 52 ) وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّه ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْه تَجْئَرُونَ ( 53 ) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 54 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 55 ) قال الإمام الرازي : اعلم أنه - سبحانه - لما بين في الآيات الأولى ، أن ما سوى اللَّه - تعالى - سواء أكان من عالم الأرواح أم من عالم الأجسام ، منقاد وخاضع لجلاله - تعالى - وكبريائه - أتبعه في هذه الآية بالنهى عن الشرك ، وببيان أن كل ما سواه واقع في ملكه وتحت تصرفه ، وأنه غنى عن الكل ، فقال - تعالى - : * ( وقالَ اللَّه لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ . . . ) * « 1 » . أي : وقال اللَّه - تعالى - لعباده عن طريق رسله - عليهم الصلاة والسلام - لا تتخذوا شركاء معي في العبادة والطاعة ، بل اجعلوهما لي وحدي ، فأنا الخالق لكل شيء والقادر على كل شيء . قال الآلوسي : وقوله * ( وقالَ اللَّه . . ) * معطوف على قوله - سبحانه - * ( ولِلَّه يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ . . ) * . وإظهار الفاعل ، وتخصيص لفظ الجلالة بالذكر ، للإيذان بأنه - تعالى - متعين الألوهية .
--> ( 1 ) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 20 ص 47 .